عبد الكريم الخطيب
872
التفسير القرآنى للقرآن
ولم يبق إلا قليله ، فقد التقى بهم الرسول الكريم وقد جاوز الأربعين ، وها هو ذا صلوات اللّه وسلامه عليه ، لا يزال بينهم وقد نيّف على الخمسين ، وإذن فهي سنوات قليلة ينتظرونها على مضض ، حتى يأتيه النون ! وهذا ما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى : « أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ » ( 30 : الطور ) . فجاء قوله تعالى : « وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ » مسفّها هذا المنطق السقيم ، الذي جعلوه أداة من أدوات الغلب في أيديهم . . فالموت حكم قائم على كل نفس . . فإذا مات النبىّ ، فليس وحده هو الذي يصير إلى هذا المصير ، وإنما الناس جميعا ، صائرون إلى هذا المصير . . فكيف يكون الموت أداة من أدوات المعركة بينهم وبين النبي ؟ وكيف يكون سلاحا عاملا في أيديهم على حين يكون سلاحا مفلولا في يده ، إذا صحّ أن يكون من أسلحة المعركة ؟ ولهذا ردّ اللّه عليهم بقوله : « أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ؟ » . . فما جوابهم على هذا ؟ إنهم لن يخلّدوا في هذه الدنيا ، فما هذه الدنيا دار خلود لحىّ . . « إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ » ( 30 : الزّمر ) . . إن المعركة بين حق وباطل ، فما سلاحهم الذي يحاربون به في هذا الميدان ؟ إنه الباطل ، وإنه لمهزوم مخذول : « إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً » قوله تعالى : « كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ » هو جواب على هذا السؤال الذي جاء في الآية السابقة : « أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ » ؟ وهو جواب ينطق به لسان الحال ؛ ويشهد له الواقع . وفي قوله تعالى : « ذائِقَةُ الْمَوْتِ » إشارة إلى أن للموت طعما ، تجده النفوس حين تفارق الأجساد . . وهذا الطعم يختلف بين نفس ونفس . . فالنفس المؤمنة تستعذب ورده ،